إعداد : ذ.محمد لمعاشي
نرأف بهم من العقاب البدني ... ونخاف عليهم من الزجر... فنلوح لهم بشيء يخيفهم ، لنشترى الصمت والهدوء ...
حدث يومي في كل البيوت
.... وفي حياة كل منا هذه الوقائع وذكريات عن أسماء الحيوانات أو مخلوقات غريبة
كان الأهل يلوحون بها کي نصمت ونطيع ، والغريب أن شراء الطاعة تحت ظل الخوف كان
الأشياء متناقضة فمن طاعة تناول الطعام الى طاعة في التزام الهدوء على مقتضيات
السلوك الواجبة .. خليط من أشياء وأوامر .. كان ثمن عصيانها جميعا هو الترويع
بالفأر أو القط أو ذي الساق المقطوعة أو .. الخ وقد طرحنا هذا السلوك اليومي
المتكرر في كل البيوت أمام اثنين من المشتغلين بعلم النفس والتربية .... فماذا
قالا ؟
رأي العلم
د. محمد عودة أستاذ
علم النفس التربوي بجامعة الكويت يقول : ان للتراث الثقافي دورا هاما في هذه
المخاوف . فهو محباً في أعماق الانسان، والتعلم لن يزيل بالضرورة تلك المعطيات
الثقافية الخرافية التي كونها اللاشعور الجماعي، ويعتبر كثير من الامهات أن
التخويف يمكن أن يكون أسلوبا تربويا لاكساب الطفل السلوكيات المرغوب بها .
إن عملية التخويف
المستمرة والعقاب البدني المؤلم، الى جانب التخويف بقوى غير منظورة وخارجية ،
سينتج عنها إنسان ضعيف الشخصية ، لا يستطيع مواجهة المواقف ، أما التربية المعاكسة
من حيث التدليل المبالغ به والثواب المستمر سينتج عنها بلا شك طفل مغامر ، لا
يتردد في اتخاذ القرارات وقد يكون لديه أيضا اتجاهات عدوانية ، وهذا اسلوب خاطي،
أيضا ، مرفوض تربويا الاسلوب الأمثل لتكوين شخصية متزنة مقبولة اجتماعيا وتربويا
يعني بالضرورة وضع خطة تربوية صحيحة ، فالعقاب المستمر لا يجدي ولكن اثابة الطفل
عند النجاح بعمل سلوكيات مرغوبة أمر مقبول. كما على الأهل معاقبة الابناء عقابا
تربويا لا يكون بالضرب أو الصراخ ، وانما بأسلوب منطقي کالاستنكار البسيط ، فعدم
التعليق على الفعل أحيانا أو العبوس هما نوع من أنواع العقاب ، فالضرب لن يجدي بل
سيجعل الطفل يعيد الكرة في محاولة منه لاثبات الذات ، الثواب أيضا لن يكون باغراق
الطفل بالعطف والحنان ، فكلمة استحسان أو مدح ستكون كافية للطفل
تخويف الطفل للحصول على الراحة تنتج عنه شخصية مضطربة ومذعورة
ويضيف الدكتور عودة :
أن تثيب باعتدال ، وتعاقب باعتدال وأن لا تخوف بمصادر لا وجود لها ، وأن تتيح
الفرصة للطفل لكسب الخبرة بالممارسة ، وأن لا تعرض الطفل لمؤثرات الثواب والعقاب ،
كل هذا يساعد في تكوين الشخصية المتزنة.
وعلى الأهل تناسي عمليات العقاب الصارم إلا في
حالات انعدام نتائج الوسائل السابقة .
أنت لن تستطيع أيها
المربي أن تمنع عملية التعلم أو تقف حائلا دون وقوعها من أجل تحقيق انانيتك في
الراحة وعدم الجري وراء الطفل ، فهي ضرورية لا كساب الطفل سلوكيات مرغوبة، وخصوصا
وأن عمليات العقاب والتخويف قد تظهر في المستقبل على هيئة حالات مرضية.
كيف تتكون المخاوف؟
والدكتورة نادية شريف
الاستاذة المساعدة بقسم علم النفس : تزيد الأمر وضوحا أيضا فتقول : إن مخاوف
الأطفال ماهي إلا نوع من أنواع السلوك الانفعالي الذي ينمو ويتطور ويتغير بنمو
الانسان وتطوره ، وتلعب عوامل النضج والتعلم دورا هاما في نمو الانفعالات وتطورها
، ومن ضمنها انفعالات الخوف أو مخاوف الأطفال.
والواقع أن معظم
المخاوف عند الانسان بصفة عامة ، وعند الاطفال بصفة خاصة انفعالية متعلمة ، نتيجة
للظروف البيئية التي يعيش الطفل في وسطها.
واذا كانت هناك مخاوف
توجد مع الطفل منذ ولادته ، فيمكن اجمالها في مصدرين أساسيين فقط ، وهما : الخوف
من الاصوات الشديدة المفاجئة أو الخوف من السقوط من أعلى ، أما ما عدا ذلك من أمور
يخاف منها الطفل فانها جميعها مكتسبة من الظروف الموجودة من حوله ، مثل خوفه من
الظلام أو الثعابين أو غير ذلك من الحيوانات الاخرى . وقد أكدت الدراسات أن الطفل
الصغير لا يكاد يخاف الا من الاصوات العالية المفاجئة أو السقوط أما فيما عدا ذلك
فهي مخاوف تتكون من خلال التعلم والاكتساب.
وتكثر مخاوف الطفل
لاسيما في مراحل العمر المبكرة، نتيجة لطبيعة وامكانيات نموه العقلي ، فطفل مرحلة
الروضة تتميز فترة نموه العقلي بعدة مميزات : أولا : طفل متميز بنمو الخيال
والقدرة على التخيل واضفاء صفة الاحيائية على الامور المحيطة به ، ونقصد
بالاحيائية هنا أن العقل يعطى الحياة والشعور للاشياء الجامدة والمتحركة من حوله ،
فالمطر ينظر اليه ككائن حى يسقط من السماء الى الأرض ، والشمس عندما تشرق علينا
تعرف انها تشرق ، والقمر يلاحقنا في كل وهو يعرف ذلك . والطاولة تشعر والحجر الذي
نضربه بقوة يشعر بالالم والعنف .
كذلك يتميز الطفل بصفة
التمركز حول ذاته حيث يرفض تماما أن يأخذ بوجهة نظر الآخرين ، ويعتبر أن وجهة نظره
هي الصحيحة وبالتالي تبقى الاشياء أمامه معلقة غامضة ، وتبقى السببية الفيزيائية
بعيدة عن ادراكه لمدة طويلة ، بل ان مفاهيمه تتميز بأنها بدائية في كثير من
الأحيان طفل هذه المرحلة لم يصل بعد الى نمو التفكير المنطقي بعملياته الفعلية
المختلفة.
لكل هذه الاسباب الخاصة بامكانيات النمو العقلي لطفل هذه المرحلة فأننا نجد أن تكون المخاوف تكون بداياتها هي هذه المراحل المبكرة من العمر ، ويصبح من غير المستغرب أن نوجه اهتمامنا الى التعرف على هذه المخاوف، وتقديم كل عون وقائي وعلاجي للتخلص من مثل المخاوف ، لاسيما أن هذه المخاوف التي يكونها الطفل قد تكون مصدرا من مصادر القلق و الاضطرابات الانفعالية عند الصغار.
مسؤولية من ؟
ولما كانت الأم هي أقرب إنسان إلى طفلها الذي يقضي معها معظم وقته ، كان لسلوكها وانفعالاتها الدور الاكبر في تكون مثل هذا السلوك فاذا كانت تظهر أمام طفلها خوفها من أمر من الأمور ، وتكرر سلوكها أمام الطفل كان ذلك كفيلا بتعلم الطفل الصغير أن يخاف من نفس الشيء ، علما بأن الخوف قابليته للانتشار والتعميم فالطفل الذي تعلم الخوف من الفأر مثلا قد يخاف بعد ذلك القطط والكلاب وكل الحيوانات ذات الفراء.. لذلك فان مخاوف الأم أو الأب أمام الطفل تغدو قدوة وتوحي له بالخطر . فاذا لم يستطع الكبار درء الخطر عنهم فكيف له أن يبعد هو هذا الخطر ؟ من هنا يتكون لديه شعور بالخوف
إن استغلال وبث الخوف في نفس الطفل كوسيلة تأديبية يؤدي الى تكون مخاوف الطفل ، فتهديده بأن عفريتا سيخطفه لأنه عصى والديه مثلا سينتهي الى احساس الطفل بخطر محتمل ، فيصدق الكبار ويصبح فزعا وتتكون في نفسه من ثم مخاوف من الأمور الغيبية غير المنظورة .
ترك الاطفال مع الخدم غير المؤهلين للتربية والتنشئة الذين غالبا ما يلجؤون الى سرد الخرافات أو الحكايات الخرافية التي لا يستطيع الطفل فهمها والتي يكون عنها افكارا خاطئة ناتجة عن شعوره بالخوف والفزع هو من الأمور غير المستحبة ، ويترك آثاره المستقبلية في نفسية الطفل.
وقد يكون للمدرسة دور في خلق المخاوف الاطفال ، ولا سيما المخاوف التي لا يستطيع الفرد تقليل اسبابها مثل خوف الطفل من الغرباء أو إبداء رأيه ووجهة نظره ، أو طرح اسئلة استشارية ، فكل هذه المخاوف تنشأ من عدم شعور الطفل بالثقة في نفسه ، نظرا لما قد يصادفه من المواقف سواء في المدرسة أو داخل الاسرة من عقاب على محاولاته للقيام بمثل هذه الألوان السلوكية من الإقدام أو الجرأة وطرح الرأي . وبالتالي تكون المدرسة قد أسهمت بدور كبير في خلق حالات من القلق والخوف المبهم الغامض الذي قد يشكو منه كثير الناس ولا يعرفون له سببا. وبناء على هذه الاساليب الفاشلة والسيئة وتبعا لامكانيات الطفل العقلية ، وقدرته على فهم الأمور والتي سبقت الاشارة اليها فان كثيرا من هذه المعاني ذات قوة كبيرة في استثارة مخاوف الطفل وتكوين تلك الشخصية المهزوزة غير الواثقة من نفسها.
العلاج الخاطىء
وتستمر الدكتورة نادية في حديثها :
فكثيرا ما يلجأ الآباء الى ابعاد الشيء المخيف عن الطفل ويحولون دون رؤيته لما يخاف منه ، وهذا خطأ ، بل انه يزيد من حدة الخوف لدى الابن.
كما أن كثرة تعريض الطفل للشيء المخيف : وهوعکس الحالة الأولى ، بحيث يعمد الآباء الى تقريب الشيء المخيف بالنسبة للطفل لن يظهر أثره على الطفل فقط بل سينتقل اثره الى أمور أخرى فقد يرتبط الخوف من القطة بالاشخاص الذي يقربون القطة من الطفل وبذلك تزداد وتتعدد مخاوف الطفل.
و من أخطر الأمور على نفسية الطفل التوبيخ والسخرية مما يجعله يفقد الثقة بنفسه وبالمحيطين به ، ويتخذ ألوانا من السلوكيات العدائية بجانب المخاوف.
ومن ثم عليك ، ايتها الأم ان تمنعى كل تلك التشنجات النفسية من الوصول الى طفلك . عليك أن تساعدي طفلك للتغلب على مخاوفه.
فالام المثالية هي التي تدخل الطمأنينة الى ابنها عن طريق تصحيح التعلم أي محاولة تعليم الطفل كيف يتعامل مع الاشياء التي يخاف منها . ويكون ذلك عن طريق تقديم الاشياء التي تمثل مصدر المخاوف للطفل بطريقة ما بحيث لا تزيد من مخاوفه مثال ذلك ، اذا كان الطفل يخاف الظلام فمن الممكن أن يذهب الى الأماكن المظلمة بصحبة والدته في أول الامر ويتكرر ـور اطمئنانه بوجود والدته الى أن الظلام لا يوجد به ما يسبب الخوف وشيئا فشيئا يقل اصطحاب الام لطفلها ، فقد تقف على باب الغرفة فقط ، وقد تبقى بعيدة تنادى عليه وشيئا فشيئا يتأكد من أنه لا يوجد ما يؤذي في الظلام .
نفس الحال اذا كان يخاف من القطة فمثلا تقريب القطة منه في أثناء وجوده في موقف سار بصفة عامة ، كأن يكون جالسا بين والديه واخوته ، ثم يمكن بعد ذلك احضار القطة في قفص ونجعلها بعيدة عنه وبتكرار هذه العملية وتقريب القطة من الطفل تدريجيا ، واللعب معها في أثناء تواجد الكبار معه ، وخطوة أثر الأخرى يمكن ازالة مخاوفه.
التقليد الاجتماعي
إن الطفل يتعلم بالتقليد فمن الممكن أن تسهم الملاحظة والتقليد في تعديل أنماط السلوك الخاطئة. لذلك فرؤية الطفل لمجموعة صغار يلعبون مع مثلا يساعده على الاتجاه لتقليدهم.
اذا كانت مخاوف الطفل تعود الى أمور وأشياء تتصل بما كونه هو نفسه وعن ذاته ، أو راجعة الى ضعف ثقته بنفسه وبقدرته ، فانه بالامكان مساعدة الطفل لاكتساب بعض المهارات الأساسية بحيث ييسر له ذلك إعادة الثقة بنفسه وبامكانياته.
واتاحة الفرصة للطفل من خلال المعلم والمدرسة والاسرة لممارسة حقه في ابداء الرأي والمبادرة والابتكار دون احساس بالخجل أو بالفشل حتى نبعد عنه المخاوف التي ترتبط بمفهومه عن ذاته الذي هو أساس تفاعله مع المجتمع المحيط به بأسره .

تعليقات
إرسال تعليق